أهلاً ياكِرام..
إن الإنسان في سعيٍ دائم لاكتشاف نفسه، وسبر أغوارها، والكشف عن مكنونها، وعن سبيل الاتساق معها، وذلك إما بطرقٍ صحيحة وإما بطرقٍ تزيده ضياعاً وحيرةً، وقد يرجع من هذا الطريق وقد لايرجع.
ولقد انصب اهتمامي هذه الأيام حول تزكية النفس، وتخليصها من عوالقها، وتهذيبها، والسير بها في مدارج النور، والإقبال على مافيه نفعها، والترفع عما يدنسها، وذلك قراءةً في سير العلماء والصالحين، والعباد، والعارفين، الذين فتح الله عليهم في إدراك حقيقة النفس البشرية وسبيل إصلاحها، بأدق عبارة، وأفصح مقال، ولايخفى على لُب عاقلٍ صعوبة النظر في مكامن النفس ، وخاصة في هذا الوقت من الزمان الذي شُغل الناس عن أنفسهم، ولا يكادون يفرغون للنظر فيها، سعيًأ وراء الجديد في كل تطبيق، واللهث وراء كل منادٍ أرسل رسالةً، أو علق تعليقاً، وإن الحصيف هو الذي ينزع نفسه نزعاً ويكشف عن أمراضها وأسقامها، ويستعمل الرفق في الكشف عن مكنونها، والحزم في تخليصها من صفاتها السقيمة، ومداوة عِللها، وأهواءها فهذا أعظم الاشتغال أن يشتغل المرء بنفسه أصلاً وتهذيبا وقد حث الله تعالى على ذلك فقال: (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) وعند ذكره لأهوال يوم القيامة لم يستثنِ في النجاة منها إلا صاحب النفس السوية، والقلب السليم فقال تعالى: ( إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ )
وإذا أردت اختصار المقال في ذكر أهم ما اتفق عليه أهل الفهم والإدراك في مداواة النفوس فسيكون في ثلاثة أمور وهي: العزلة، والإنصاف، ومداومة العلاج، فإن الإنسان يحتاج لعزلة قصيرة يختلي فيها بنفسه ويفتش فيها عن مواضع ألمه، ومواضع تقصيره في حق الله وحق نفسه والناس، وربما نجد لهذا ثقلاً لكن كما قال الحكماء: إنما يستوحش الإنسان بالوحدة لخلاء ذاته، وعدم الفضيلة من نفسه، فتتكثر حينئذ بملاقاة الناس، ويطرد الوحشة عن نفسه بالسكون معهم، فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة، ويتفرغ لاستخراج الحكمة.
وقال الخطابي: (وإنما لا يستوحش مع الله تعالى من عمّر قلبه بحبه سبحانه، وأنس بذكره وألف مناجاته بسره، وشغل به عن غيره فهو مستأنس بالوحدة مغتبط بالخلوة)، ومن ثم الإنصاف في تحديد الخصال، فيحدد مافيه من صفات قبيحة، وعلل سقيمة، واعلموا أن تقريع النفس أمر في غاية الألم، ولكنه الألم الذي يقودها للترقي في مدارج العبودية، وصقلها من عوالق الأيام، وفي هذا أقسم الله تعالى بالنفس اللوامة فقال: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)) قال الحسن : هي والله نفس المؤمن ، ما يُرى المؤمن إلا يلوم نفسه : ما أردت بكلامي ؟ ما أردت بأكلي ؟ ما أردت بحديث نفسي ؟ والفاجر لا يحاسب نفسه. انتهى
وبعد هذا الإنصاف يكون(مداومة العلاج) وذلك بالذكر، والاستعانة بالله تعالى في تخليصها من الآفات والذنوب، ومايلزمه من أساليب وسلوك يستدفع به الشر، ويستجلب به الخير، ومن تمام الإنصاف أن يذكر الإنسان فضائله ويستكثر من عملها، ويحقق وجودها، ويتعاهد سقايتها وإخلاصها لله تعالى.
وإن من أفضل الكتب المعينة على هذا الطريق كتاب الله تعالى الذي يكشف عن الأهواء التي تورد المهالك وسبيل الوقاية منها، كذلك جاءت كتبٌ كثيرة في هذا الباب ولقد شغفت بكتاب «مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق» للإمام ابن حزم الأندلسي (384–456هـ) فهو من أعمق ما كُتب في علم الأخلاق، و طبيعة النفس، وهو من الكتب التي تمزج بين التحليل النفسي، والمنطق، والشريعة بأسلوب ابن حزم الفريد، ولا أذكر عدد مرات قراءته، فقد أوتي فهمًا عميقاً وكلاماً بديعاً.
وكذلك كتاب «صفوة الصفوة» للإمام أبي الفرج ابن الجوزي (510–597هـ) هو من أروع كتب السِّير والزهد في التراث ، جمع فيه ابن الجوزي رحمه الله أخبار الأنبياء، والصحابة، والتابعين، والصالحين، وملأه بالمواعظ والرقائق التي تنقح القلب، وتوقظ الضمير.
والكتاب الأخير هو «العُزلة» لأبي سليمان الخطّابي (319–388هـ) من الكتب النفيسة في بابه، يعالج موضوع العزلة والخلطة من منظور ديني وأخلاقي ، جامعًا بين الحكمة والتجربة، وينبّه الخطّابي أن العزلة المحمودة ليست الانقطاع التام، بل هي:
“انفراد الإنسان بنفسه عند فساد الزمان، مع بقاء صلته بالخير وأهله.”
وياكِرام من أراد تمام الفضيلة فليصاحب أهلها، وفي ذلك يقول ابن حزم: “من طلب الفضائل لم يساير إلا أهلها، ولم يرافق في تلك الطريق إلا أكرم صديق من أهل المواساة والبر والصدق وكرم العشيرة والصبر والوفاء والأمانة والحلم وصفاء الضمائر وصحة المودة”.
وأخيرًا: فإن غاية الطمأنينة والسعادة أن يكون المرء ساكن النفس، راضيًا بما هو فيه، منغمساً فيما يُصلحه ويُرقيه إلى مطالع النجوم، فاللهم إنا نسألك قلباً سليما، ونفسًا سوية، وإقبالاً على مواطن رضاك..

أضف تعليق