من أمام التمثال العظيم في بوابة المتحف المصري الكبير، جموعٌ غفيرة تدخل في انسيابيةٍ تامة، واقفٌ وترى وجوهاً من شتى الأعراق ومن مختلف القارات والثقافات ، وبألوانٍ وملامح مختلفة، تدخل عبر بوابة المتحف وكأنه عبورٌ نحو زمن الإنسان القديم، زمن الفراعنة القُدامى، وفي كل قاعة من قاعات المعرض تتشكل ملامح حياة الملوك آنذاك، وسعيهم الحثيث للخلود في الأرض، وابتكار الطرق والأساليب لتأمين حياتهم الأخرى كما يدّعون، فنجد القبور والمدافن يُبنى عليها سياجٌ فوقه الجواهر، والمقتنيات الثمينة التي جمعوها طوال حياتهم، وكلما زادت مكانة الميت كلما زادت الفنون المرسومة على قبره، والجواهر المنثورة حوله، بل حتى الطعام رأينا تماثيل الخدم وهم يقومون بإحضاره عند القبر وكأن الميت يشعر بكل ذلك، لكن أنّى له!
من أمام التماثيل التي تضم يديها إلى صدرها، والقطع الفرعونية الثمينة التي عُثر عليها في طيات التراب، ومن أخاديد الأرض شعرت بمدى المحاولات الحثيثة للبقاء، كان الإنسان أنذاك يسعى لانتزاع صوته من صمت الأبدية، كان يحاول البقاء والرسوخ في الأرض، كان يبتكر الطرق للتحنيط، وإثبات الوجود، كل هذه المحاولات موثقة بالدراسات العديدة التي أُقيمت، كان سعيه للبقاء مثيراً للعجب، ولكنها محاولات باءت بالفشل، لتثبت حقيقة واحدة، ألا وهي حقيقة الموت والفناء، فهم الآن مجرد تاريخ، وآثار تُروى، لم يعد الوجود وجوداً، ولا الحياة حياةً، ولم تعد الدماء ساريةً في عروقهم، لقد تخطاهم الزمان، وسبقتهم حقيقة الموت، وألقت بكل آثارهم في وجوه المارين عبر العصور حتى وصلت إلينا، لقد خرجنا من المعرض بعد المرور على مراكب خوفو التي بناها للتنقل عبر البحر، فكانت في مبنى منفصل على طرف المعرض، وصعدنا ثلاثة طوابق حتى نتمكن من رؤيتها كاملة من الأعلى، وقد أُحكمت إحكاماً عجيباً، خرجت وفكرة واحدة تراودني لا غير، بأن الإنسان بقاءه الحقيقي يكون بالعمل للغاية التي خُلق من أجلها، و بالعمل الذي يُقربه إلى الله تعالى أكثر، فإذا رضي عنه فقد نال أعظم المُراد وتنعم بأعظم النعيم، وأن هذه الآثار كلها مصداق قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ).
وبعد انتهاء زيارتنا من المتحف الكبير توجهنا إلى زيارة الأزهر الشريف، المسجد العتيق، منارة العلم والعلماء، ومنذ أن لمست قدماي رخامه الأبيض طارت روحي في أُفقه الطاهر، في تلك السماء التي تملأها سكينة القُراء وأصواتهم الشجيّة، وكأني انتقلت من زمان الظلمات إلى نور الإيمان، لم تكن الرحلة مخططة هكذا لكن جرى تدبير الله أن نزور المكانين في يوم واحد، مما أضفى انتقالة عميقة في الروح، وشعرنا بهذا الشعور العظيم، فصلينا المغرب والعشاء في الجامع، ورأيت الناس من كافة الأعراق يطلبون العلم في حلقاته بخشوعٍ ظاهر، وسكينةٍ تسلب الألباب، كان معظمهم من جنوب شرق آسيا، ومن أوزباكستان وماحولها، وفي اليوم التالي زرنا أجمل المتاحف وأعظمها على الإطلاق متحف الفن الإسلامي الواقع في القاهرة بجوار مسجد الحاكم بأمر الله، يعد أكبر متحف إسلامي بالعالم إلى عهدٍ قريب حيث ضم مجموعات متنوعة من الفنون الإسلامية من الهند، والصين، وإيران مرورا بفنون الجزيرة العربية، والشام، ومصر، وشمال أفريقيا، والأندلس. المتحف يحتوي على قطع نادرة مجموعة من عصور الإسلام الأولى إلى العصور المتأخرة، ومنذ الخطوة الأولى للدخول فيه ترى صفحات النور تنبثق لتشدك إليها، والخطوط العربية تتشكل أمام عينيك لتخبرك أن الإنسان الذي كان يكتبها خلّد وجوده عبر المعاني الجليلة، والإيمان العظيم برب العالمين الذي ورّثه لمن خلفه، كانت القاعات مرتبة حسب العصور فمن عهد الخلفاء الراشدين إلى الدولة الأموية، والآثار العباسية، ومن ثم الدولة الأيوبية، وختاماً بزمن المماليك، تجد الجمال يتجلى في القطع الخزفية العتيقة، والأبواب الشاهقة المصفحة بالحديد والخشب المزخرف، وبالشابيك المكسوة بالألوان فتنيرها الشمس لترسم الظلال لوحاتٍ آخاذة على الجدران، وبالمشربيات التي كانت موزعة داخل المدن الإسلامية، وبالقطع الرخامية لسقي الماء في أطراف المدن التي تدل على علو زمانهم، وقوة اقتصادهم، في كل هذه التفاصيل كنت أجد نفسي، أجد تاريخي، وتاريخ آبائي وأجدادي، شعورٌ غامر بالانتماء والالتقاء بالجذور، كنت أحاول قراءة العبارات المكتوبة، والمخطوطات المكنوزة برفقة إحدى المرشدات التي رافقتني منذ دخولي المعرض، شعرتُ بأن هذا المكان يمثلني، يمثل هوية المسلمين، وتاريخهم العظيم، وتبادرإليّ سؤال: إذا كانت هذه مجرد الآثار الباقية وهي في غاية الجمال، فكيف بزمانهم الحقيقي؟ سؤال يتجلى في الذاكرة كلما انتقلنا من جناح لآخر داخل المعرض، كانوا مدركين بأن الدنيا دار عبور وأنهم متعبدون بأعمالهم فيها، فأحسنوا أيما إحسان، لم يكن البقاء في المتحف مجرد زيارة عابرة، بل ولوج نحو زمانٍ أصيل اكتسى حُلة العلم والإيمان، والعمل بإتقانٍ، وإحسان.
وما لبثنا أن خرجنا ولكن ظلت رسالة المعرض والمتحف تتكرران بداخلي فشتان بين ذلك الإنسان الفرعوني القديم، الساعي لخلوده في الأرض وتسخير جهوده في سبيل ذلك، وبين الإنسان المسلم الذي أدرك مروره العابر فسخر جهوده في نقش الآيات القرآنية على الحوائط، والجدران، وفي أنفس البشرية جمعاء.
صور من المتحف المصري الكبير:



صور من الجامع الأزهر وما حوله:



صور من متحف الفن الإسلامي:








أضف تعليق